عبد القادر الجيلاني

44

فتوح الغيب

--> - ما أمر اللّه به [ في نسخة : فعل ما أمره به ربّه ] ، وما لم يؤمر به العبد بل فعله الرب عزّ وجلّ بلا واسطة العبد ، أو فعله بالعبد بلا هوى من العبد . فهذا هو القدر الذي عليه أن يرضى به . وسيأتي في [ في نسخة : من ] كلام الشيخ ما يبيّن مراده ، وأن العبد في كل حال عليه أن يفعل ما أمر به ، ويترك ما نهى عنه ، وأمّا إذا لم يكن هو أمر العبد بشيء من ذلك ، فما فعله الرب كان علينا التسليم فيما فعله ، وهذه هي الحقيقة في كلام الشيخ وأمثاله . وتفصيل الحقيقة الشرعية في هذا المقام ، أن هذا نوعان : أحدهما : أن يكون العبد مأمورا فيما فعله الرب : إما بحبّ له وإعانة عليه ، وإما ببغض له ودفع له . والثاني : أن لا يكون العبد مأمورا بواحد منهما . فالأول مثل البر والتقوى الذي يفعله غيره ، فهو مأمور بحبّه وإعانته عليه ، كإعانة المجاهدين في سبيل اللّه على الجهاد ، وإعانة سائر الفاعلين للحسنات على حسناتهم بحسب الإمكان ، وبمحبة [ في نسخة : ومحبة ] ذلك والرضا به ، وكذلك هو مأمور عند مصيبة الغير : إمّا بنصر مظلوم ، وإمّا بتعزية مصاب ، وإمّا بإغناء فقير ، ونحو ذلك . وأما ما هو مأمور ببغضه ودفعه ، فمثل : ما إذا أظهر الكفر والفسوق والعصيان ، فهو مأمور ببغض ذلك ودفعه ، وإنكاره بحسب الإمكان ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح [ مسلم ( 49 ) ] : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » . وأما ما لا يؤمر العبد فيه بواحد منهما ، فمثل : ما يظهر له من فعل الإنسان للمباحات التي لم يتبين له أنه يستعان بها على طاعة ولا معصية ، فهذه لا يؤمر بحبها ولا ببغضها ، وكذلك [ في نسخة : وذلك ] مباحات نفسه المحضة التي لم يقصد الاستعانة بها على طاعة ولا معصية . مع أنّ هذا نقص منه ، فإنّ الذي ينبغي أنّه لا يفعل من المباحات إلّا ما يستعين به على الطاعة ، ويقصد الاستعانة بها على الطاعة ، فهذا سبيل المقرّبين السابقين ، الذين تقرّبوا إلى اللّه تعالى بالنوافل بعد الفرائض ، ولم يزل أحدهم يتقرّب إليه بذلك حتى أحبّه ، فكان سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . وأما من فعل المباحات مع الغفلة ، أو فعل فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة مع أداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، باطنا وظاهرا . فهذا من المقتصدين أصحاب اليمين . وبالجملة : الأفعال التي يمكن دخولها تحت الأمر والنهي لا تكون مستوية من كل وجه ، بل إن فعلت على الوجه المحبوب كان وجودها خيرا للعبد ، وإلّا كان تركها خيرا له ، وإن لم يعاقب عليها . ففضول المباح التي لا تعين على الطاعة عدمها خير من وجودها ، إذا كان مع عدمها يشتغل بطاعة اللّه ، فإنها تكون شاغلة له عن ذلك . وأما إذا قدّر أنّها تشغله عمّا هو دونها ، فهي خير له ممّا دونها ، وإن شغلته عن معصية اللّه كانت رحمة في حقّه ، وإن كان اشتغاله بطاعة اللّه خيرا له من هذا وهذا . وكذلك أفعال الغفلة والشهوة التي يمكن الاستعانة بها على الطاعة ، كالنّوم الذي يقصد به الاستعانة على العبادة ، والأكل ، والشرب ، واللباس ، والنكاح الذي يمكن الاستعانة به على -